الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 النصح والنصيحة في كتب الأدب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
amirhearts
عضو جديد
عضو جديد


المشاركات : 3

مُساهمةموضوع: النصح والنصيحة في كتب الأدب   الأربعاء يونيو 19, 2013 8:21 pm

د. محمد المشطاوي
لا يعيش المسلم فردا وحيدا في مجتمعه، بل يعيش وسط هذا المجتمع الذي مار ويمور بأصناف من العقائد والأخلاق والمعتقدات، منها ما يتوافق مع صحيح معتقد المسلم، ومنها ما ينحرف يمينا أو يسارا، ومنها ما لا يمت إلى صحيح المعتقد بسبيل. وأقول «المعتقد» لأن المعتقد من أهم الدوافع للفعل والسلوك، وما بعده تابع له، أو هكذا ينبغي أن يكون، فمعتقدنا هو ما وقر في قلوبنا وصدقه عملنا أو كذبه، ووسط هذا المجتمع المائر الفائر يحتاج المرء إلى الناصح الرفيق الداعي إلى الخير وإلى سواء الصراط، سواء كان هذا الداعي نفسَه التي بين جنبيه، أم أحد أفراد المجتمع ممن حوله، أم ممن ندبهم الشرع والشارع أو أولو الأمر إلى ذلك، وفي تحقيق هذا النصح والانتصاح أمان للفرد وللمجتمع.
الدين النصيحة
ولهذه الأهمية الكبرى للنصيحة والانتصاح، عني القرآن الكريم بهذه القضية أشد العناية، وذكر النبي  "صلى الله عليه وسلم"  أن الدين النصيحة (1)، بدءا من النصح لله وانتهاء لخلقه جميعا، بحيث تتحقق مرادات الشارع من الاستقامة والصلاح والسعادة للفرد والمجتمع.
وقد اهتم الفقهاء كثيرا بالحديث عن النصيحة وأهميتها وكونها فرضا على سبيل العين أو الكفاية باختلاف بينهم، مما لا مزيد عليه، ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى ما كتبوه، سواء في باب النصيحة، أم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الاحتساب في كتب الفقه والآداب.
ومما ينبغي أن يشار إليه هنا قبل أن نتحدث في عجالة عن العلاقة بين الأدب والنصيحة:
أولا: من الملاحظ أن مادة «نصح» بلفظها المباشر- ودلالتها المباشرة أيضا- كانت أكثر ورودا وحضورا في سورة الأعراف (6 مرات من عدد 12 مرة بالقرآن كله) (2)، وهذه السورة ذكرت قصة غواية الشيطان لآدم وزوجه، وقصة عدد من الأنبياء كنوح وهود وصالح وشعيب ونصحهم لقومهم، كما عنيت بقصص بني إسرائيل من عبادتهم العجل وتعاملهم مع يوم سبتهم وغيرها من القصص، وكان دور النصح في هذه القصص حاضرا بما لا يخفى: فنصح الشيطان الكاذب أردى آدم وزوجه، ونصح بني إسرائيل ذهب أدراج الرياح في عبادة العجل ويوم السبت، إلا أن الله نجّى من نصحوا أو انتصحوا، كما أن اسم السورة نفسه يوحي بالمفاصلة والمفارقة بين من نصح وانتصح فكان جزاؤه الجنة وغيره ممن لم ينصحوا أو ينتصحوا... إلخ، المهم أنها توحي أيضا بحضور ما لمعنى النصح والانتصاح لدى الفرد والمجتمع، كما أشارت إلى أن العلاقة بين الناصح والمنصوح علاقة حرص وحب من الناصح، وأحيانا إعراض واتهام من المنصوح له.. وهذه إشارات ربما تحتاج إلى مزيد إيضاح ودراسة وعناية، ليس هذا البحث موضعها.
ثانيا: توزع الحديث في شأن النصح والنصيحة بين كتب الفقه وكتب التزكية وكتب الأدب، وفي هذا إشارة إلى مدى حضور هذه القضية في التراث الإسلامي، وإلى أن للنصح شقين مهمين: شق قانوني تشريعي يضبط في هذا سلوك الناصح وعملية النصح، وشق نفسي إيماني دافع إلى الاقتناع الشخصي بضرورة قبول النصح والانتصاح... إلخ.
ثالثا: تنوعت مصطلحات النصح في هذا التراث، فمرة هو أمر بمعروف ونهي عن منكر، ومرة نصح، ومرة توجيه وإرشاد، فضلا عن حضوره في مصطلحات أخرى كالاحتساب والدعوة والرفق والإحسان إلى المخالف والستر... إلخ.
رابعا: بلاغة النبي  "صلى الله عليه وسلم"  في حصر الدين في النصيحة، وهو ما يشير إلى أن النصيحة هي عماد الدين وقوامه وأساسه، وأنها تشتمل على «خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل، سمى ذلك كله دينا، فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة» (3).
خامسا: توجيه الشارع إلى أن النصيحة واجبة «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (4)، كما أوضح النبي  "صلى الله عليه وسلم"  حينما سئل عن قوله «الدين النصيحة» لمن هذه النصيحة؟ فأجاب بالسابق. ومن أفضل ما جُمع في شرح هذا الحديث ما نقله النووي في شرحه لمسلم عن الخطابي، فليُرجع إليه (5).
سادسا: كثر في كتب التزكية والفقه، الحديث عن آداب النصح والتوجيه والإرشاد، واحتوت هذه الكتب العديد من القصص التي تبين كيف تعامل السلف مع قضية النصح وعاشوها واقعا وممارسة، وما ينبغي على الناصح والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر... إلخ. (كإحياء علوم الدين للغزالي، وجامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي).
وكما اهتمت كتب الفقه والتزكية وغيرها بالنصح، فقد اهتم بهذا أيضا كتب الأدب، وهو موضع حديثنا فيما يأتي:
الأدب نصح وتوجيه وإمتاع
إذا تصفحنا بعض المعاجم اللغوية باحثين عن معنى كلمة «أدب» ودلالتها فسنجد أن مفهوم كلمة الأدب في المعجم يدل على الاهتمام بالتربية، والتربية تعني التوجيه والإرشاد، وهما يعنيان بالضرورة النصح والمتابعة والمراقبة.
فالأدب (محرّكة) الذي يتأدب به الأديب من الناس، سمي به لأنه يأدب (يدعو) الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح، بل قيل إن الأدب ملكة تعصم من قامت به عما يشينه، ونقل أيضا أن الأدب هو تعلم رياضة النفس ومحاسن الأخلاق. وقال أبوزيد الأنصاري: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. وقيل: الأدب في اللغة: حسن الأخلاق وفعل المكارم.
وأدّبه أي (علمه، فتأدب) تعلم. وأدبته أدبا، من باب ضرب: علمته رياضة النفس ومحاسن الأخلاق، وأدبته تأديبا مبالغة وتكثير، ومنه قيل: أدبته تأديبا، إذا عاقبته على إساءته، لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب. وجمل أديب، إذا ريض وذلل، وكذا مؤدب (6).
فكل هذه المعاني دائرة حول التوجيه والتهذيب والتعليم الخلقي وما يتطلبه ذلك من أدوات ومنها الإلزام و العقاب. أما إطلاق لفظ الأدب وكونه اصطلاحا على بعض علوم العربية، فهذا مما كان بعد ظهور الإسلام واستقرار حضارته. والتأديب هنا ربما أخذ ملمح الوظيفة الرسمية، والإلزام، ولذلك وجدنا قديما وظيفة المحتسب الذي يؤدب ويهذب ويوجه ويعاقب بما يأمره به الوالي.
وقد اهتمت كتب الأدب برسم ملامح عمل المحتسب، وهو في أصله ناصح ومتابع لأحوال الناس ومعاشهم، فهذا ابن الأثير يذكر في كتابه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» (7) «تقليدا» لمحتسب- وهو ما يمكن أن يماثل خطاب التكليف في عصرنا، إذ كانت وظيفة المحتسب ذات دور كبير ومهام ضخمة ومكانة عظمى في التاريخ الإسلامي، وكان يمارس أدواره بعد تكليف من ولي الأمر وبخطاب موجه يسمى «التقليد». وقد كان يتولى كتابة- أو صياغة بلغة أخرى- كتاب التقليد (التكليف) صاحب الإنشاء الذي يتمتع بالضرورة بثقافة إسلامية بشقيها اللغوي والشرعي، وهو منها بمكان رصين. ويحسن هنا أن نذكر أن هذه الوظيفة تولاها كثير من غير المسلمين- المثقفين بالثقافة الإسلامية، كأبي إسحاق الصابئ مثلا- لولاة أمر مسلمين.
وقد ارتبطت كلمة الأدب والآداب أيضا لدى الفقهاء بما ينبغي أن يكون، سواء كان على سبيل الوجوب أم غيره، فتحدثوا عن آداب الطعام والشراب واللباس والنكاح، والفتيا، والحرب، وآداب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل هذه آداب، بما تحمله الكلمة من معنى توجيهي تهذيبي تأديبي، ولهم العديد من الكتب التي تحمل كلمة «آداب» أو «أدب»، ولا يخفى حضور مصطلح «الآداب الشرعية» وبروزه في الفقه الإسلامي.
أما ميزة كتب الأدب في حديثها عن النصح والتوجيه، فهي أنه يأتي مقرونا بالمتعة الناتجة عن القص والحكي والتمثيل والأشعار والرقائق التي تحفل بها كتب الأدب، ومن ثم يكون نصحا غير جاف أو مباشر، فتأنس له النفس، ويتغلغل داخل الروح، فيتأثر السلوك.
بقي أن نشير إلى بعض ملامح كلمة النصح في معاجمنا أيضا، فقد نقل الزبيدي في تاج العروس أن: الأكثر من أئمة الاشتقاق على أن النصح تصفية العسل وخياطة الثوب، ثم استعمل في ضد الغش، وفي الإخلاص والصدق كالتوبة النصوح. وقيل: النصح والنصيحة والمناصحة: إرادة الخير للغير وإرشاده له، وهي كلمة جامعة لإرادة الخير.
وفي النهاية: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها. وقال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. قال: ويقال هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، وأنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح. ثم يعقب الزبيدي أن النصح يعني: الخلوص مطلقا، ولا يتقيد بالعسل ولا بغيره (Cool.
دكتوراه في اللغة من دار العلوم - جامعة القاهرة
 
الهوامش
(1) صحيح مسلم: 1/53 (باب بيان أن الدين النصيحة).
(2) الأعراف: 6 مرات (آية: 21، 62، 68، 79، 79، 93)، التوبة: مرة واحدة (آية: 91)، يوسف: مرة واحدة (آية: 11)، هود: مرتان (آية: 34، 34)، القصص: مرتان (آية: 12، 20).
(3) جامع العلوم والحكم: 78.
(4) سبق تخريجه.
(5) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج): 2/38-39.
(6) ينظر: مادة (أدب) في تاج العروس.
(7) قدمه وعلق عليه: الدكتور أحمد الحوفي والدكتور بدوي طبانة، دار نهضة مصر، دون تاريخ، والتقليد في الجزء الثاني ص 370-382.
(Cool ينظر: مادة (نصح) في تاج العروس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النصح والنصيحة في كتب الأدب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: الأقسام الإسلاميه :: اللغة العربية وعلومها-
انتقل الى: